«وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا» (الإسراء، 80)

جرت العادة أن تُكتب مقدمة للبدايات. جملة طريفة، بل ورديئة بعض الشيء. لا بأس، فلتكن هذه الكتابة فاتحتنا إذن.

الفواتح غريبة. غريبة كأنها قادمة من الغرب، دخيلة لا تستوي في مكانها. وأنا هنا أحاول تورية صغيرة، أشير بها إلى هذين المعنيين معًا.

الفواتح غريبة، عجيبة، لأنها أول كتابة في موقع لم يُنشر فيه من قبل أي نص، ومع ذلك تُطلق الوعود. المدونة ليست كتابًا تُكتب فاتحته بعد أن يكتمل. إنها تُكتب في الطريق، تُنظم في صيرورتها، ولا تنتهي أبدًا. حين لا يكون في المدونة شيء بعد، تكون الفاتحة موجودة. ربما هي الخيط الذي يشد الكتابات كلها بعضها إلى بعض، يعِد بأن يجمعها دون أن يأبه بحجمها المتنامي. غير أن الكتابة لا يُصاغ لها شكل مسبق؛ الكتابة هي التي تمنح الشكل لوعائها. ومن ثم فإن الكتابة، والكاتب، والموقع، ستتغير كلها كلما مضينا في الكتابة. أما الفاتحة فتبدو، على نحو غريب، رائدة هذا التغيير وعقبته في آن واحد. فلنكتب إذن هذه الفاتحة بوصفها سلسلة وعود وتعريفات، تغيّرها أمر محتوم. سيحدث التغيير، لكنه سيبدأ من هنا. ستكون هذه الفاتحة رائدة تغيير يمكن رصده ومتابعته، لا انزلاقًا مضطربًا بلا سند.

الفواتح غريبة، وحيدة تمامًا في مكانها القصيّ، لأنها أول كتابة في الموقع، ومحكوم عليها بالبقاء في آخر صفحة. ربما ينساها كاتبها نفسه بعد شهور. لكنها تظل، بين رقائق الخوادم المغبرة، عمودًا فقريًا يحمل الموقع كله على ظهره، ينتظر قارئه الذي لن يجده إلا فضولي قليل يبحث عنه فيعثر عليه. ربما كُتبت لتُنسى. أو وهي تعلم أنها ستُنسى... قلنا إنها الخيط الجامع للموقع. لا يظهر وجودها إلا في اجتماع الصفحات كلها. أو لا تُرى إلا حين تُطلب فتوجد.

الفواتح تُخبر أيضًا عن كاتبها. بل إن غياب الفاتحة، كوجودها تمامًا، يشي بشيء عن صاحبها. الفاتحة هي أول تماس غير مباشر بين القارئ والموقع والكاتب. وما توحي به من ملامح شخصية الكاتب وأسلوبه ومنهجه لن يفوت عين القارئ المتفحص. لذا سأدّخر الحديث عن نفسي لصفحة «عني»، وأتوارى الآن خلف هذه الفاتحة تاركًا نفسي لخيال القارئ. ولك بالطبع أن تتبنى قراءة النص بمعزل عن كاتبه وتقول «ما شأني بك»، فذلك حقك. على أي حال، بدل الحديث عن نفسي، سأتحدث في هذا النص عما أريد فعله في هذا الموقع. ويمكن اختصاره في كلمة: الكتابة. هذا وعدي أيها السادة.

فتحتُ من قبل مدونات كثيرة، وكتبتُ نصوصًا شبيهة بالتدوين على منصات شتى، لكنني لم أوفَّق قط في الاستمرار على أيٍّ منها. بعضها مات بعد أول تدوينة، وبعضها بعد تدوينات قليلة، وبعضها الآخر انقضى حين اكتملت مهمته، أو المهمة التي كنت قد أسندتها إليه.

أما تويتر (إكس) فلا يُشبع رغبتي في الكتابة إشباعًا كاملًا. يبدو المكان أقرب إلى موضع تفريغ منه إلى موضع إنتاج؛ مكان يُفرّغ فيه الناس مشاعرهم أو أفكارهم اللحظية بسرعة ويشاهدونها تضيع في التدفق. إنه مكتظ بأفكار تضيع بين أكوام وأكوام من الأفكار الأخرى. أما هنا، فثمة خيط يجمع الكتابات ويشدها. هذا ما آمله على الأقل.

على أي حال، بعد كل تلك المدونات والتغريدات التي ضاعت، أرغب في أن تكون هذه المدونة رفيقة العمر. أريد أن أكتب لسنوات طويلة مقبلة. سنرى، وما يأتي به الغد خير.

فماذا أنوي أن أفعل في هذا الموقع حتى يأتي ذلك الغد؟ سأكتب، لكن عمّ سأكتب؟ كل موضوع فيه فكر يدخل في دائرة اهتمام هذا الموقع واهتمامي أنا. سأتناول بعضها بفضول هاوٍ، وبعضها الآخر بانضباط محترف: الفلسفة، وعلم الاجتماع، والأدب، وعلم النفس، والفن، والسينما، والدين، والثرثرة العابرة... مشاغل فكرية وغير فكرية كثيرة ستمر من هنا.

وما الذي لن يمر من هنا؟ لن يكون للمشاغل الفارغة والتافهة مكان في هذا الموقع. لن تجد شؤون اليوم العابرة مكانًا هنا. سيكون لهذا الموقع أجندته الخاصة، وسيفكر وينتج انطلاقًا من أجندته وحدها.

فما توقعاتي؟ كتابات ذات عمق، مشاغل ذات قيمة، وحفنة من القراء الحقيقيين. لا أتوقع شيئًا آخر.

فلنختم إذن بجملة لأوغوز آتاي:

«ها أنا ذا يا عزيزي القارئ. فأين أنت؟» (اليوميات، آتاي)