رداءتنا العظيمة - 2
«وحين تأملت في هذه النتائج، بدا لي شيء آخر واضحًا. في الواقع، كنا كبلد بأسره في هذه الحالة نفسها. هذه الرداءة رائحة استقرت علينا جميعًا، وكنا نتناسب مع الجو تناسبًا حسنًا. نحن بلد نصف سكانه العاملين يتقاضون الحد الأدنى للأجور، والقسم الأكبر من الباقين يسعى وراء وظيفة حكومية، ومن يملك بعض المال منهم يلاحق قطعة أرض رخيصة. وأكثر فكرة إبداعية تخطر ببال من يلاحظ هذا الوضع ويريد الخروج من عنق الزجاجة هي: تصنيع أحواض شرب الكلاب في الصين وبيعها لأوروبا.»
أنهيت المقال السابق بهذه الفقرة. في الحقيقة، دار المقال بأكمله حول هذه الفقرة، وبنيت هيكله على أساسها، وسكبت في الفقرة الأخيرة ما كان يدور في ذهني، لكنني تلقيت من بعض الأصدقاء ردود فعل مفادها أن بعض النقاط لم تكن واضحة، وأنها ظلت معلّقة في الهواء، وأن بعض أجزاء المقال كانت تفوح منها رائحة تكبّر. فأصبح كتابة هذه الرسالة، إن جاز التعبير، واجبًا لا مفر منه.
والآن، بعد كل هذا الكلام، علينا أن نوضح أمرًا: ليس لدينا أي إشكال وجودي، لا مع فقراء الهند ولا مع أحواض شرب الكلاب. فبما أننا نلتقي على أرضية الإنسانية المشتركة، فإننا نرى لفقراء الهند حقًا في حياة تليق بكرامة الإنسان، ونحبهم ونحترمهم كبشر. وبالمثل، وبما أن أحواض شرب الكلاب تلبي حاجة حقيقية، فإننا لا نستصغرها، بل نُحسن الظن بالقطاع لمساهمته في الاقتصاد، ونحترم أصحاب المشاريع لمبادرتهم وتحريكهم لعجلة الاقتصاد، ونراقب بارتياح الكلاب وهي تأكل وتشرب بطريقة (متحضرة؟).
مشكلتنا هي مع العقلية. العقلية هي ذلك الكلّي الذي يرسم اتجاه كل الأفعال، ويحدد أفق التفكير، وينتج منظومة القيم. فهي معنا حين نفعل، ونحن نفكر من داخلها، وننظر إلى الأفق بلونها. العقلية هي النمط الذي يمكن ملاحظته في مجموع سلوكنا وتفكيرنا.
فما هي إذن هذه العقلية التي نحن في خصومة معها؟ لا أظن أنني أستطيع أن أُريكموها مباشرة، لكن يمكنني أن أشير إليها، بقدر ما أستطيع.
في المقال السابق تحدثت عن مشروع كسب مال عاجل لشخصين لا يملكان أي مهارة تُذكر قابلة للتحويل إلى نقد خارج مهنتهما. والأمران اللذان حاولت التأكيد عليهما طوال المقال هما:
- الاستعجال
- غياب الاهتمام المتعمق
أنا أواجه صعوبة كبيرة مع الأعمال طويلة المدى. وحسب ما ألاحظ، لست الوحيد الذي يعاني من هذه المشكلة، بل أنتمي إلى جمهور كبير جدًا يشاركني إياها. من الأعمال طويلة المدى يمكننا أن نذكر اكتساب مهارات مثل تعلم لغة، أو العزف على آلة موسيقية، أو اكتساب موهبة ما، أو حالات التكليف الدوري مثل كتابة عدد معين من المقالات أو قراءة عدد معين من الكتب في السنة. في الأساس، كل عمل طويل المدى مرتبط بما أسميه التكليف الدوري. أي أن ما نسميه عملًا طويل المدى هو عمل يتطلب جهدًا مخططًا يومًا بعد يوم من أجل هدف مرتبط بأجل بعيد. في البداية يُستهان به بقول من نوع «وما المشكلة، ألا أستطيع الذهاب إلى درس آلة موسيقية يومين في الأسبوع، لساعتين في كل مرة؟»، لكن يتضح لاحقًا أن المسألة ليست مسألة 2×2=4 ساعات فحسب، بل إن تلك الساعات الأربع مرتبطة بأمور مغروسة في أعماق شخصية الإنسان أكثر من ارتباطها بالساعات ذاتها: ضبط الدافع، والقدرة على تأجيل اللذة، والإرادة، والتحمل، والصبر، وحب الراحة.
فكيف إذن يتصرف هذا الجمهور الذي يواجه صعوبة في الأعمال طويلة المدى حين يريد كسب المال؟ على الأرجح أنه سيريد الحصول على المال بأسرع طريقة وأسهلها، لأن لا نفسيته ولا محفظته تسمحان باستثمار يستغرق تحويله إلى ربح خمس سنوات. وأرجو أن أتناول موضوع المحفظة، أي ندرة رأس المال، لاحقًا.
لا تفوّت المقالات الجديدة
انضم إلى القائمة البريدية لتصلك الكتابات الجديدة فور نشرها.
وفي ظل هذا الوضع، فإن الشيء الوحيد الذي يمكن توقعه من هؤلاء الأصدقاء غير جمع روابط أمازون هو بيع حوض شرب للكلاب، منتج له آلاف الأمثلة في السوق، ويسوّقه آلاف الأشخاص بالطرق ذاتها. أما من كان يقظًا منهم ويعرف كيف يستشعر السوق، فسيلمح أداة إزالة الوبر بمجرد أن تفقد موجة أحواض شرب الكلاب زخمها، ويسارع إلى تصنيعها لدى مصنّع بالباطن وبيعها قبل منافسيه.
هنا أشعر بضرورة التدخل مجددًا. مشكلتي ليست في بيع حوض شرب الكلاب، مشكلتي هي في أن عين كل كسول تلمع عند رؤية حوض شرب كلاب. مشكلتي هي مع الدافع الذي يجعل الشخص يجمع روابط أمازون، أو يحاول بيع منتج له آلاف الأمثلة في السوق دون إضافة أي ميزة أو أي فارق، ودون بذل أدنى جهد ذهني عليه. هذه سهولة زائفة، وهذا اختزال، وهذا تهرّب من المسؤولية، وهذه سيادة الرداءة. أي أنني أقول إن المسألة ليست حوض شرب الكلاب، أما فهمت ذلك بعد؟ ادعائي هو أن هذا الدافع الذي أصفه هو أحد الدوافع التي تجعل الحياة اليومية في تركيا غير قابلة للعيش. هذا الدافع:
- يُنتج في الحياة اليومية «شطّار الشرق» الخاصين به، ويُفضي إلى صنوف من الظلم، والفساد الأخلاقي والقانوني، وعدم تقدير القيمة، وقلة الاحترام، و
- يجعل أفق التفكير محصورًا في الحياة اليومية.
هذا الدافع يُنتج «شطّاره» وحيله الخاصة. فصاحب العمل الذي يحاول الثراء بالطريقة السهلة لا يدفع لموظفه أجر ساعاته الإضافية، والسائق الذي لا يريد الانتظار عند الإشارة يقتطع طريقه من مسار محطة البنزين المجاورة، والسائق الذي يرى الإشارة الصفراء قبل أن تتحول إلى حمراء رغم رؤيته للمشاة الواقفين عند الممر يضغط دواسة الوقود محاولًا أن يعبر إلى الجهة الأخرى قبل أن تُغلَق الإشارة.
هذا الدافع يجعل أفق التفكير محصورًا في اليومي، لأن الأفق الوحيد الذي يستطيع أن يحدده لنفسه وللآخرين من لا مهارة له ولا بصيرة في الأعمال طويلة المدى هو، مرة أخرى، أهداف يومية قصيرة المدى. فمثلًا، يستطيع أتباع هذه العقلية أن يعلّقوا لافتة «البقالة على بعد 50 مترًا =>» في المكان الذي كان ينبغي أن توضع فيه كتابة نافورة قديمة، ويستطيعون أن يقولوا لمعارفهم الذين يدرس أبناؤهم في مدرسة خاصة: «يا بني، بدل أن تدفع كل هذا المال للمدرسة، لو فتحت محل لقمة في مكان ما لكسبت أكثر بكثير» - لأن المهم هو اللحظة، الآن. وما بعد الآن ليس شيئًا يمكن حتى تخيّله.
وهذا الدافع بعينه هو ما يمنع الشخص من إنتاج منتج يساوي كيلوغرامه 1000 دولار بدل 10 دولارات؛ كما يمنعه، بالقدر نفسه، من البحث، ومن بذل جهد ذهني حقيقي، ومن التفكير في كيف ينبغي أن يكون حوض شرب الكلاب الجيد، ومن إنتاج ما هو أبعد من مجرد الشيء الذي يجعل حوض شرب الكلاب حوض شرب كلاب - تصميم أصيل، واستراتيجية إعلانية خاصة. لأنه لا يوجد أصلًا إنتاج حقيقي بالمعنى الدقيق للكلمة. فالمصنع في الصين ينتج أصلًا عشرات الآلاف من أحواض شرب الكلاب. وكل ما تفعله أنت هو أن تخاطر بمالك، وتتفضل فتشتري 100 قطعة منها وتُلصق عليها ملصقًا يحمل اسمك.
20.01.2024
لا تفوّت المقالات الجديدة
انضم إلى القائمة البريدية لتصلك الكتابات الجديدة فور نشرها.
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.