«يا بنيّ بهجت، هل تعرف ما هو إفلاس حضارة؟»

أحمد حمدي تانبينار، ماهور بستة، ص. 118

في سلسلة المقالات المعنونة بـ«رداءتنا العظيمة»، التي بدأناها بحثًا عن سبل الكسب دون جهد، واصلنا بأسلوبنا المتخلّف في التحايل الشارعي، واكتشفنا مفهوم الجهد عبر فكرتنا المبتكرة العبقرية المتمثّلة في تصنيع أوعية طعام الكلاب، ورسمنا، من الكراجات القذرة أمام بيوتنا، بانوراما لولادة ثقافة الرداءة وإعادة إنتاجها. وفي هذه الأثناء، كنّا قد اكتشفنا القيمة المضافة، وقطعنا الأمل من تجارة البيع والشراء، وتعلّمنا ما هو رأس المال، وأخيرًا استنتجنا أنّ عذاب انعدام الرؤية الذي نعانيه هو عرَضٌ من أعراض افتقارنا إلى اهتمامات عميقة.

وفي السطور التالية، ذهبنا إلى أنّ سبب هذا العرَض من الافتقار هو إدماننا على الاستعجال وسهولة الحلول، وتحسّرنا على أعمارنا الضائعة بين الأجل القصير والطويل؛ ولم نستطع إلّا أن نسأل: «لو لم يكن رأس مالنا شحيحًا، ولو لم تكن لعبة الحجلة على بلاط المدارس تسليتنا الوحيدة، هل كنّا سنُصاب بهذا الداء أصلاً؟»

والآن، وانطلاقًا تمامًا من هذه النقطة - شُحّ رأس المال - سنُفكّر في السؤال التالي: لماذا لا نستطيع إنتاج منتجات يبلغ سعر الكيلوغرام منها عشرات آلاف الدولارات؟ بل لماذا لا يخطر إنتاجها على بالنا أصلاً؟

منذ بداية هذه السلسلة، وأنا أحاول التأكيد على أنّنا رديئون في مجالات كثيرة. ولو أردنا التعبير عن ذلك بلغة أكثر تقنية، لقلت إنّ رأسمالنا البشري ضعيف وناقص ومعيب. نعم، أظنّ أنّ هذه هي النقطة الجوهرية. رأس المال البشري. فما هو رأس المال البشري؟

سأبدأ بتعريف رأس المال البشري، ثمّ أدرس العناوين الفرعية التي يتألّف منها، واحدًا واحدًا، في تركيا والعالم، وأحاول فهم موقعنا على المستوى العالمي.

يبدو أنّ رأس المال البشري يشير إلى مجموع المعارف والمهارات التي تمتلكها القوى العاملة. وقد بيّنت دراسات مختلفة أنّ المجتمعات التي تتألّف من أفراد متعلّمين وأصحّاء تُسرّع كلًّا من التنمية الاجتماعية-الثقافية والنموّ الاقتصادي، كما تُتيح استخدام الموارد المتاحة بكفاءة أكبر1.

وفي دراسة أخرى، وُجدت علاقة ارتباط إيجابية بين رأس المال البشري والتنمية الاقتصادية. وعلاوة على ذلك، وبحسب الكاتب، فبينما لم تُوجد علاقة سببية ثنائية الاتّجاه بين الصادرات ورأس المال البشري، ولا بين رأس المال البشري وتراكم رأس المال الثابت، ولا بين رأس المال الثابت والنموّ الاقتصادي؛ لوحظت في المدى القصير علاقات سببية أحادية الاتّجاه: من تراكم رأس المال الثابت إلى الصادرات، ومن الصادرات إلى النموّ الاقتصادي، ومن النموّ الاقتصادي إلى رأس المال البشري. كما أظهر المقال ذاته أنّ رأس المال البشري يؤثّر إيجابًا في النموّ الاقتصادي عبر تحفيز إنتاجية عناصر الإنتاج الكلّية2.

وبحسب ويكيبيديا، فإنّ رأس المال البشري يتألّف أساسًا من 6 عناصر:

  1. الذكاء
  2. الصحّة
  3. جودة التعليم
  4. اللغات الأجنبية
  5. البيئة الاجتماعية-الاقتصادية
  6. الذكاء العاطفي، الإبداع

بعد كلّ هذه المقدّمة، يمكننا البدء بدراسة العناصر المذكورة في سياق الرداءة ورأس المال البشري.

الذكاء

لنبدأ بالذكاء.

أظهرت الأبحاث أنّه من بين 200 دولة، تمتلك اليابان أعلى متوسّط لمعدّل الذكاء بـ106.48، بينما تمتلك نيبال أدنى متوسّط بـ42.99. وبحسب البيانات التي تمّ الحصول عليها، بلغ المتوسّط العالمي 82.03، بينما جاءت تركيا بـ86.8 نقطة، أي أعلى من المتوسّط بنسبة 5%3.

وهذا هو الرسم البياني. صُنِع بجهد اليد وسهر العين.

بعد معدّل الذكاء، لنلقِ نظرة أيضًا على نتائج اختبار PISA. اختبار PISA هو دراسة تُجرى كلّ 3 سنوات منذ عام 2000، وهدفها الأساسي قياس معارف ومهارات الطلّاب في سنّ الخامسة عشرة في مجالات القراءة والرياضيات والعلوم عبر الدول المختلفة، وتقييم مدى قدرتهم على استخدام هذه المعارف في سياق حلّ المشكلات في الحياة اليومية.

يمكنكم الاطّلاع على نتائج اختبارات PISA السبعة التي أُجريت بين عامي 2003 و2022، والتي تُظهر ترتيب تركيا بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، في الجدول أدناه4.

ترتيب تركيا والشرائح المئوية بحسب المجالات في اختبار PISA بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية

من أصل 20 معيار تقييم شاركنا فيها كتركيا، لم نتمكّن من إيجاد مكان لأنفسنا إلّا ضمن الشريحة الأدنى بنسبة 20%. أي أنّنا في ترتيب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لسنا حتّى رديئين بالمعنى المتوسّط، بل بائسون فعلاً. فلو كنّا رديئين بالمعنى المتوسّط لكان ينبغي أن نكون في حدود 50%.

قد يُقال إنّ دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هي أصلاً في وضع جيّد نسبيًّا. فما هو وضعنا على مستوى العالم بأسره؟ ليس العالم كلّه، لكن بحسب قائمة نحو 100 دولة تُجرى فيها اختبارات PISA، فإنّ النتائج كالتالي:

ترتيب تركيا والشرائح المئوية بحسب المجالات في اختبار PISA على مستوى العالم

حين ننظر إلى الجدول، نلاحظ أنّ تركيا رفعت ترتيبها منذ أوّل إجراء للاختبار عام 2003. ففي عام 2003، كانت ضمن الشريحة الأدنى بنسبة 15%، وفي آخر مرّة أُجري فيها الاختبار عام 2022، وصلت إلى نسبة 50%. لو أردت أن أُطلق اسمًا على هذا الجدول، لقلت على الأرجح «من الأسوأ إلى المتوسّط». نعم، بحسب نتائج 2022، نحن متوسّطون. لنفرح إذن.

جودة التعليم

تقيس نتائج اختبار PISA أيضًا جودة التعليم. لن أُعيد تلك البيانات هنا تجنّبًا للتكرار. سنحاول هنا استخلاص الاستنتاجات من متوسّط مدّة التعليم، أي من الأساس الأكثر بساطة.

يُظهر الرسم البياني متوسّط مدّة التعليم للفئة العمرية 15-64 في بعض الدول بين عامي 1870 و2020. وبحسب هذا الرسم، فإنّ متوسّط مدّة التعليم لدينا في الفئة العمرية 15-64 هو 8.5 سنوات، بينما المتوسّط العالمي هو 8.8 سنوات5. أي أنّ متوسّط مدّة تعليمنا أقلّ من المتوسّط العالمي. وبالطبع، قد يُطرح اعتراض على هذه البيانات مفاده: «إنّ نسبة الشباب لدينا أكبر من كثير من الدول. فالشخص في سنّ الخامسة عشرة سيكون قد تلقّى تعليمًا لمدّة 9 سنوات كحدّ أقصى. لذا فإنّ هذا الرسم يقارن، بشكل مضلّل، دولاً ذات ظروف مختلفة». وينبغي أن أقول إنّني أتّفق مع هذه الحجّة من ناحية وأختلف معها من ناحية أخرى. صحيح أنّ متوسّطنا ينخفض بسبب التركيبة السكّانية. فإذا كانت الفئة العمرية النشطة هي التي ستُنهض بالبلاد، فبالطبع ستكون مقارنة تلك الفئة أدقّ، ولنقل إنّها الفئة 25-60. لكنّ الرسم البياني، أصلاً، لم يُصمَّم بهدف قول شيء عن رأسمالنا البشري بعد 10 سنوات. إنّه يمنحنا بيانات عن رأس المال البشري الحالي للدول. بل يمكننا، بالنظر إلى هذا الرسم، أن نكوّن فكرة عمّن يعيش على حساب من.

لكن، ولإرضائكم، لنلقِ نظرة أيضًا على بيانات البنك الدولي6. قارن البنك الدولي الفئة العمرية فوق 25 سنة. وبحسب أحدث قياس أجراه عام 2017، فإنّ متوسّط مدّة التعليم لدينا للأشخاص فوق سنّ 25 هو 8.17 سنوات.

وقد سجّلنا زيادة سنوية بمعدّل 0.15 نقطة. وإذا افترضنا مدّ بيانات البنك الدولي الناقصة للسنوات الثلاث الأخيرة حتّى عام 2020 - وهو آخر نقطة بيانات في الرسم أعلاه - فإنّ متوسّط تعليمنا للفئة فوق 25 عامًا في 2020 سيكون 8.67 سنوات. أي أنّه بينما يبلغ متوسّط مدّة تعليمنا 8.5 سنوات بحسب مقارنة الفئة 15-64، فإنّه يبلغ تقريبًا 8.67 سنوات بحسب بيانات الفئة فوق 25 عامًا. لا يبدو أنّ هناك فرقًا كبيرًا بين الرقمين.

وإذا استمرّ متوسّط مدّة تعليمنا في الازدياد بهذا المعدّل، فسيصل متوسّطنا للفئة فوق 25 عامًا إلى 13.67 سنة بحلول عام 2053، وسنتمكّن بعد 30 عامًا من الوصول إلى ما عليه كوريا الجنوبية اليوم.

ولتسهيل قراءة الرسم البياني، قدّموه أيضًا في صورة قائمة:

على أيّ حال، لنصل إلى الجوهر. اخترت الدول عشوائيًّا. أتعرفون ما المضحك في الأمر؟ لم أكن أعرفه أنا أيضًا قبل النظر إلى هذا الرسم. نحن في التعليم أيضًا قريبون جدًّا من المتوسّط العالمي. يبدو الأمر وكأنّه مزحة. تبيّن أنّنا متوسّطون هنا أيضًا، أليس كذلك؟

فماذا يمكننا أن نتحدّث عنه من «رأس مال بشري»، يا أستاذ، في بلد متوسّط على مستوى العالم وبائس بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في الاختبارات التي تقيس القدرات الأكاديمية لمن هم في مقاعد الدراسة حاليًا، وفي بلد متوسّط مدّة التعليم فيه بالكاد يتجاوز 8 سنوات؟

اللغة الأجنبية

يُظهر الرسم البياني أدناه دراسة أجراها الاتّحاد الأوروبي حول الكفاءة في اللغات الأجنبية. وقُدّمت فيه نسب من لا يتحدّثون لغة أجنبية ومن يتحدّثون 1 إلى 3 لغات، بحسب الدول7.

بما أنّ عام 2007 هو العام الوحيد الذي تتوفّر فيه بيانات تركيا في المعايير الأربعة كلّها، سأقارن بيننا وبين الاتّحاد الأوروبي في ذلك العام.

وبحسب دراسة الاتّحاد الأوروبي، فإنّ نسب معرفة اللغات الأجنبية وعدم معرفتها في عام 2007 كانت كالتالي:

بحسب الرسم البياني، لا يعرف لغة أجنبية في دول الاتّحاد الأوروبي سوى شخص واحد تقريبًا من كلّ 3، بينما لدينا شخصان من كلّ 3 لا يعرفان لغة أجنبية. أي أنّنا ضاعفنا نسبة الجهل في الاتّحاد الأوروبي مرّتين. أمّا نسبة من يعرفون لغة أجنبية واحدة عندنا فهي تقريبًا نصف نسبة الاتّحاد الأوروبي. وفي معرفة لغتين أو ثلاث لغات أجنبية، فإنّ الفرق بيننا وبين الاتّحاد الأوروبي كبير لدرجة أنّ حسابه يصبح غير ذي جدوى.

وكما ذُكر في المقال الذي تضمّن هذه النتائج، فإنّ جزءًا لا يُستهان به من الأوروبيين لا يعيشون في بلدانهم. وثمّة عامل آخر هو أنّ كثيرًا من الدول لديها أكثر من لغة رسمية. وعامل آخر هو وجود لهجات مختلفة في بعض الدول... وعامل مختلف تمامًا هو انتشار الزواج من مواطن دولة أوروبية أخرى. وثمّة سبب آخر، لم يُذكر في المقال لكن يمكن تخمينه، وهو أنّ اللغات الأوروبية تنحدر من عائلة لغوية مشتركة، ما يجعل تعلّم شخص يتقن إحداها للغة أخرى أسهل ممّا هو عندنا. مثل هذه العوامل تُفسّر لماذا يعرف الأوروبيون عددًا أكبر من اللغات الأجنبية. لكنّ ما أريد إظهاره في هذا البحث ليس أنّ الأتراك ضعفاء في تعلّم أو تعليم اللغات الأجنبية أو ما شابه. أنا هنا أحاول تحليل واقع قائم. لسبب أو لآخر، يعرف هؤلاء الناس أكثر من لغة ونحن لا نعرف. وفي النهاية، نُحرَم من فوائد معرفة لغات إضافية. وهذا يجعلنا قاصرين في هذا المجال.

للأسف لم أجد بيانات عالمية عن معرفة اللغات الأجنبية.

البيئة الاجتماعية-الاقتصادية

أريد في هذا العنوان أن أدرس الوضع الاقتصادي المتوسّط الذي نعيشه. أمّا الجزء «الاجتماعي» من «الاجتماعي-الاقتصادي» فلنؤجّله الآن.

في مقال بوراك سو المعنون هل يمكننا أن نجعل تركيا خامس عشر أكبر اقتصاد في العالم دون أن نفتح ولو مصنعًا واحدًا؟8، كان هناك تحليل أعجبني. فقد نظر إلى مساهمة الدول في الاقتصاد العالمي مقارنة بنسبة سكّانها إلى سكّان العالم. وكان هدفه من ذلك معرفة كم وحدة يُساهم بها كلّ وحدة سكّانية في الاقتصاد العالمي. وبحسب تحليله، فإنّ مساهمة الأمريكي الواحد في الاقتصاد هي 6 وحدات، بينما مساهمة الصيني الواحد وحدة واحدة، ومساهمة الهندي الواحد 0.2 وحدة. أمّا حين نصل إلى تركيا، فإنّ مساهمتنا في الاقتصاد العالمي هي 1%، وسكّاننا يشكّلون أيضًا 1% من سكّان العالم. أي أنّ نسبة مساهمتنا في الاقتصاد هي 1 إلى 1. نحن مثل الصين تمامًا.

أودّ أن أُعيد صياغة هذه الطريقة بأسلوبي الخاصّ وأعرضها.

متوسّط الدخل السنوي للفرد في العالم وفي تركيا بحسب السنوات.9

بالطبع، سيقرأ مؤرّخو الاقتصاد هذه التواريخ بشكل أفضل، لكن على قدر ما رأينا، يمكننا القول، بنظرة سريعة إلى الرسم البياني، ما يلي: كان متوسّط الدخل الفردي لدينا يسير بشكل شبه متوازٍ مع العالم في معظم الأحيان. أمّا في الفترات التي شهدت انقلابات وأزمات اقتصادية، مثل أعوام 1969-71 و1980-82 و1999-2001 و2016، فقد انحرفنا سلبًا عن المتوسّط العالمي.

أمّا أوّل عام انحرفنا فيه إيجابًا عن المتوسّط العالمي فكان عام 2005. ومن 2005 إلى 2016، سِرنا فوق المتوسّط العالمي.

وحتّى اليوم، كان أدنى عام لنا مقارنة بالمتوسّط العالمي هو 1994 بمعدّل 0.45 ضعف، وأعلى عام لنا هو 2013 بمعدّل 1.17 ضعف. أي أنّنا لم نتمكّن حتّى الآن من تجاوز المتوسّط العالمي بأكثر من 17%. أمّا في أسوأ أعوامنا فلم نصل حتّى إلى نصف المتوسّط العالمي.

وهذا تمثيل آخر للرسم البياني نفسه.

وهذه هي الهوّة بيننا وبين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية:

مهما فعلت دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإنّها ظلّت دائمًا فوق المتوسّط العالمي، لكنّها انحرفت عنه بشكل لوغاريتمي منذ سبعينيات القرن الماضي. واليوم، يبلغ متوسّط دخل دول المنظمة أكثر من 4 أضعاف متوسّط دخلنا.

الخاتمة

بالنظر إلى الرسوم البيانية القليلة أعلاه، يمكننا أن نرى بوضوح المادّة التي بين أيدينا. لم أتمكّن في هذا المقال من مقارنة وتقييم بيانات الذكاء العاطفي والإبداع والصحّة. وهذا أحد أوجه القصور في المقال. لكن، ووفق البيانات المتاحة، ما زال بإمكاننا الوصول إلى بعض الاستنتاجات.

نحن نُمثّل الدور المتوسّط عالميًّا في اختبارات الذكاء وPISA، والدور البائس بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. أمّا في متوسّط مدّة التعليم، فنحن متأخّرون كثيرًا عن كثير من الدول. متوسّط بلدنا هو خرّيج ابتدائي. وثلاثة أرباع البلاد لا يعرفون لغة أجنبية. وفي متوسّط الدخل الفردي، لم نتمكّن خلال 60 عامًا من تمثيل المتوسّط إلّا لمدّة 10 سنوات فقط، وبقينا دون المتوسّط في الخمسين عامًا المتبقّية. أمّا مع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فقد تشكّلت بيننا هوّة لا يمكن تقييمها إلّا على مقياس لوغاريتمي... أي أنّنا أقلّ تعليمًا من بقيّة العالم، وأكثر جهلاً من بقيّة العالم، وأفقر من بقيّة العالم في آنٍ واحد.

فما أسباب ذلك؟ بحسب مقال أشرت إليه سابقًا، فإنّ النموّ الاقتصادي يُحفّز رأس المال البشري، ورأس المال البشري يُحفّز النموّ الاقتصادي. ورأسمالنا البشري، كما رأينا، ضعيف. ونتيجة لذلك، يبقى اقتصادنا ضعيفًا أيضًا. والعكس صحيح كذلك... لم نتمكّن من التميّز إيجابًا عن العالم في أيّ مجال. مشينا في المنتصف مع القطيع. ونتيجة لذلك، لم نتمكّن من تحقيق أيّ اختراق يُحدث فرقًا اقتصاديًّا أو ثقافيًّا حقيقيًّا. وما تحقّق من اختراقات إنّما تحقّق رغم هذه البيئة لا بفضلها. فما الحلّ إذن؟ الحلّ هو: تحسين رأس المال البشري والاقتصاد. لقد أفشيت السرّ. يمكننا أن ننصرف الآن.

اقترح بوراك سو، الذي استشهدت به في هذا المقال، أنّ بناء العلامة التجارية هو الطريق الأقلّ كلفة نسبيًّا لتحسين الاقتصاد. وخلاصة كلامه أنّنا يجب أن نزيد حصّتنا السوقية عبر زيادة قيمة علامتنا التجارية، فيزداد دخلنا. فهل هذا حلّ؟ رغم أنّه يبدو كذلك، أرى أنّ نوع بناء العلامات التجارية الذي يتحدّث عنه لا يمكن تحقيقه بهذا الرأسمال البشري. وحتّى لو تحقّق، فلن يتحقّق إلّا رغم هذا الرأسمال البشري لا بفضله.

منذ زمن طويل وعلامتنا التجارية الوحيدة المشهورة عالميًّا هي الخطوط الجوية التركية، وفي الآونة الأخيرة ظهرت أيضًا بضعة علامات في صناعة الدفاع. أي أنّ لدينا عددًا محدودًا من العلامات التجارية، وحتّى تلك نمت بقوّة الدولة. وبخلاف ذلك، فإنّ توقّع مثل هذا النجاح من المبادرات الفردية يبدو لي انتظارًا عبثيًّا لا نهاية له. لأنّني كتبت هذا أصلاً طوال هذه السلسلة. فكيف، والحال هذه، يمكن إنتاج منتج ذي قيمة مضافة وسط كلّ هذه الرداءة؟ لنفترض أنّ مجنونًا ما عزم على خلق قيمة، فهل سيعرف هذا العدد الهائل من الناس الرديئين قيمة تلك القيمة؟ هل سيدعمونها؟ دعك من الدعم، هل سيتوقّفون عن كونهم عائقًا أمامها؟ لا أظنّ ذلك.

أشرت في بداية المقال إلى المقال الأوّل من السلسلة. من يملك بعض المال يبني عقارات. لماذا؟ يا رجل، هل هو مجنون ليؤسّس مصنعًا؟ سعر الصرف يركض من تلقاء نفسه، لا مدخلاته معروفة ولا مخرجاته. هل سيقع انقلاب غدًا؟ هل ستُعيّن السلطات وصيًّا على المصنع؟ هل ستُلغى صفة البناء عن الأرض التي اشتريتها لتشييد مصنعك لأنّك لم تُطلق لحيتك إرضاءً لرئيس البلدية؟ أيّ مشكلة ستتصدّى لها؟ لو كان لديّ 10 ملايين دولار، هل سأؤسّس مصنعًا في بلد مستقبله غامض أم سأبني فيلا؟ على الأرجح سأبني فيلا. أو أُحوّل جزءًا منها إلى سويسرا وأبني بالباقي فيلا.

هذا هو الجزء الذي أملك فيه بعض السيطرة على الأمر. لكن هناك أيضًا جزء لا أملك فيه أيّ سيطرة. يا رجل، لو مددت يدك في هذا البلد ستُصادف شخصًا لم يتجاوز تعليمه المرحلة الابتدائية. ملايين الناس لم يدخلوا صالة سينما ولو مرّة واحدة في حياتهم. يُقال إنّ نسب القراءة ليست سيّئة، لكنّ معظم ما يُقرأ هو أعمال روائية رخيصة... وأكثر الفيديوهات مشاهدة على يوتيوب هي فيديوهات تافهة سخيفة يُتصنّع فيها المرح. لم يستطع أحد أن يُتمّ أيّ شيء بدأه إلى النهاية، ولا أن يكتسب أصغر هواية. فكما أنّ بلدنا يقع عند المتوسّط العالمي، فإنّ مواطنينا أيضًا يفتقرون إلى الصفات التي تُميّزهم عن القطيع. وبما أنّ المواطن قاصر، فإنّ البلد قاصر أيضًا. ولفعل ما أتحدّث عنه، عليك أن تنفصل عن القطيع وألّا يفترسك الذئب. أمّا عندنا، فمن استطاع الانفصال عن القطيع افترسه الذئب. فماذا كنت تتوقّع؟؟؟

والآن لنأتِ إليك أنت، أيّها القارئ العزيز؛

أنت، الذي أمضيت سنوات تصف إردوغان بالدكتاتور، ثمّ تُصوّت اليوم كالخراف لأيّ مرشّح يُقدّمه حزب الشعب الجمهوري (CHP)، وتثور غضبًا لأنّ حزب الخير (İYİP) يُقدّم مرشّحًا خاصًّا به، وحمّلتنا شخصًا بلا كفاءة بوصفه «جدًّا ديمقراطيًّا» وما زلت تريد إبقاءه في مقعده وتُدافع عنه؛ أتظنّ نفسك مختلفًا عمّن تنتقدهم؟

أو أنت، أيّها القارئ العزيز؛

أنت، الذي أمضيت سنوات تنتحب متذمّرًا بأنّكم مظلومون، ثمّ ما إن وضعت يدك على السلطة حتّى دُست على الدستور وأعلنت كلّ من لا يُعجبك «إرهابيًّا»، ولم تتعلّم يومًا معنى الحرّية ولا تذوّقها، ولم تسمع بمعنى «الحرّية» قطّ، وتحسب كلّ نقد اعتداءً وخيانة، وتعدّ الاختلاف في الرأي خيانة؛ أتظنّ نفسك مختلفًا عن المقلّدين الذين يقفون دقيقة صمت في كلّ مناسبة عشوائية ويُعلنون مقدّساتهم الخاصّة؟

يا صاح، لا تقل لي «وما علاقة هذا بحزب الشعب الجمهوري» أو «وما علاقته بحزب العدالة والتنمية». مشكلتنا هي مشكلة إنسان. فسبب كثير ممّا نواجهه في الحياة اليومية هو أولئك البشر الخُدَّج الذين أنتجتهم حضارتنا المُفلسة. لو كان رأسمالنا البشري سليمًا، لكانت سياستنا سليمة أيضًا.

وخلاصة القول، أيًّا كنت، فلا تظنّ أنّ مجرّد قراءتك هذا المقال يجعلك مختلفًا. فكما يقول المثل القديم: «أنا آغا وأنت آغا، فمن سيحلب هذه البقرة؟»

محمد باتوهان شاهين

02.02.2024

قائمة المراجع:

المراجع

  1. ms.hmb.gov.tr
  2. dergipark.org.tr — 66628
  3. worldpopulationreview.com — average iq by country
  4. pisadataexplorer.oecd.org
  5. ourworldindata.org — mean years of schooling long run
  6. databank.worldbank.org
  7. ec.europa.eu
  8. buraksu.com — hic fabrika acmadan turkiyeyi dunyann
  9. databank.worldbank.org