محاولة تشريح ثقافي لليابان، أو يوميات سفر 3: طوكيو والختام
في المقال الأول من سلسلة اليابان كنا ضيوفاً على أوساكا، وفي المقال الثاني على كيوتو. أما في هذا المقال فسنكون ضيوفاً على طوكيو. في طوكيو سنتحدث عن مترواتها، وعن مسجد طوكيو والمسلمين هناك، وعن فتيات الأنمي الودودات اللواتي التقيناهن في أكيهابارا، وعن المهاجرين الذين يعيشون هنا منذ سنوات، وعن المتاحف، ثم نضع نقطة النهاية لمغامرتنا اليابانية. تفضلوا معنا.
طوكيو
بعد رحلة استغرقت ساعتين وعشر دقائق من كيوتو بقطار الشينكانسن، وطئت أقدامنا طوكيو. وكان من الجميل أن نرى جبل فوجي من بعيد في الطريق.
حين وصلنا طوكيو وخرجنا من المترو، كان أول ما واجهناه سيلاً من البشر. تذكّرنا بابتسامة مريرة تلك اللحظات في أوساكا وكيوتو حين اعتدنا الهدوء وقلنا: «أين تلك المترواتُ التي يُحشر فيها الناس حشراً؟». المهم، وجدنا طريقنا وسط سيل البشر واستقررنا في فندقنا. وجدنا على الفور مطعماً حلالاً وتناولنا طعامنا، وتجولنا قليلاً في شوارع طوكيو، ثم عدنا إلى الفندق.
كانت خططنا لليوم التالي جاهزة. وبما أنه كان يوم جمعة، فسنذهب إلى مسجد طوكيو. هكذا كنا قد خططنا منذ البداية أصلاً.
مسجد طوكيو والتواصل مع المسلمين
مسجد طوكيو من الداخل
صُمم مسجد طوكيو ليكون مجمّعاً متكاملاً. فإلى جانب العمارة التركية الكلاسيكية، يضم المجمع سوقاً حلالاً، وقاعات دراسية، وقاعة كبيرة، ومكتبة صغيرة. شعرنا أخيراً أننا اغتنمنا فرصة جميلة، فقصدنا على الفور مكتب الإمام وبدأنا معه حديثاً ممتعاً. رتّبت أسئلتي.
حسب كلام الشيخ الإمام، فإن من أكثر ما يؤثر في دخول اليابانيين إلى الإسلام أن إحدى أوائل الآيات النازلة كانت «اقرأ»، وأخرى كانت «وثيابك فطهّر». وهاتان الآيتان، على ما يبدو، تؤثران في اليابانيين. كثيرون يدخلون الإسلام عن طريق الزواج، وبعضهم يستطيع التخلي عن عادات موروثة من الشنتوية وبعضهم لا يستطيع، وهكذا. لنُفرد حديثنا مع الإمام بالتفصيل في مقال آخر إن شاء الله.
وبعد الصلاة، دار بيننا وبين إيرين، الذي جاء إلى هنا للبحث، حديث أيضاً. وحسب كلامه، فإن اليابانيين في الحقيقة ليسوا مؤدَّبين ومنفتحي الذهن بالقدر الذي يُظن. ذلك أن تصرفاً يبدو لنا مؤدَّباً جداً قد يكون في نظر الياباني أمراً كريهاً إلى حد ما. باختصار، قد يتعامل بعض اليابانيين معنا نحن المسلمين، أو مع الأجانب عموماً، بأدب أقل.
ووفقاً لما نقله إيرين أيضاً، فإن نسبة كبيرة من اليابانيين الذين يدخلون الإسلام يفعلون ذلك عن طريق الزواج. ويجدون صعوبة في ذلك لأن الكحول يحتل مركز حياتهم، وما إلى ذلك. واليابانيون أيضاً ليسوا أناساً متدينين إلى حد كبير. وحسب كلام إيرين، فإن من يأتون للبحث هنا بدافع الإعجاب باليابان لا يستطيعون أن يكونوا موضوعيين تماماً. فكراهية الأجانب ورهاب الإسلام موجودان هنا أيضاً في الحقيقة.
وبعد صلاة الجمعة، دار بيننا حديث قصير أيضاً مع أخ ياباني كان كاثوليكياً في السابق ثم أسلم. الأخ منير كان قد أقام سابقاً في مصر وتركيا. ثم أسلم بعدها. وحين عاد إلى اليابان، بدأ يتردد على المسجد وشرع في العمل هنا. لم يكن شنتوياً ولا بوذياً في يوم من الأيام. ولذلك لم أحصل هنا أيضاً على جواب للسؤال الذي كان يشغلني: هل يستطيع من أتى من خلفية الكامي (آلهة الشنتو) اليابانية الأصلية أن يفهم إلهنا؟ لم أعرف الجواب في النهاية. ولأن الأخ منير نشأ ضمن ثقافة مسيحية، فلعله لم يجد صعوبة في فهم الإسلام. وبحسب قوله، فإن حياته وجدت معناها مع الإسلام. فبمجرد أن استقر في ذهنه الإيمان بإله واحد، انتظم كل شيء ووجد معناه. وكان يرغب في القدوم إلى تركيا والاستقرار فيها متى سنحت الفرصة المناسبة، لأنه كان يجد صعوبة في ممارسة الإسلام في اليابان.
ومن ملاحظاتنا الأخرى على المسجد أنه بُني بالعمارة التركية الكلاسيكية، أي أنه مسجد تركي بكل ما للكلمة من معنى. من أين عرفنا ذلك؟ من أن قسم النساء موحش ومتهالك وضيق وخانق. وحسب كلام آزه، فإنه ضيق إلى درجة أن بعض النساء لا يستطعن السجود بشكل كامل. ثمة ازدحام، ولا يمكن تسوية الصفوف بشكل جيد، وما إلى ذلك. كانت هذه تجربتي الأولى خارج البلاد، لكن حسب كلام آزه وعائلتها، لا يوجد مكان آخر في العالم تُقصى فيه النساء عن المسجد بهذا القدر.
المتاحف
في اليوم التالي ذهبنا إلى مكان يُدعى أوينو. توجد هنا حديقة كبيرة، وحول الحديقة عدد كبير من المتاحف، ربما عشرة. وحول تلك المنطقة أيضاً قد يكون هناك خمسة عشر متحفاً آخر. دخلنا هنا متحف العلوم والطبيعة. في المتحف غزلان وأسماك وحيوانات غريبة وبكتيريا ونباتات وفراشات وكائنات من كل نوع. المبنى من أربعة طوابق، وفيه قاعات عرض كبيرة. باختصار كان جميلاً جداً. نفكر في العودة بعد عشر سنوات مع الأطفال :D
أدركنا من الازدحام أن لدى اليابانيين ثقافة زيارة المتاحف. فأنا لم أرَ من قبل أي متحف بهذا القدر من الازدحام والامتلاء بالعائلات - بما في ذلك طوپقاپي. كان يوم سبت، وكان الداخل والخارج على حد سواء مكتظّين بالأطفال والعائلات والأزواج الشباب. وكلهم يابانيون. لا توجد لدينا ثقافة كهذه. فأنا مثلاً لا أتذكر أنني قلت يوماً في عطلة نهاية أسبوع عادية «هيا بنا نزور متحفاً». نعم زرنا متاحف كثيرة، لكنني زرتها في الغالب خلال إجازاتي الطويلة، ولم أزرها بهذا القدر من التفاني. يبدو أن هؤلاء القوم مختلفون. ومما استرعى انتباهنا أيضاً أن الأطفال كانوا مؤدَّبين إلى حد بعيد. فلو كنا في بلدنا لتسلّق الأشقياء عظم الديناصور وأخذوا يهتفون «هيّا هيّا»، أما هنا فالوالدان يجلسان بهدوء بينما يتجول الأطفال بسكينة ويقرؤون الشروحات وما شابه. مختلف تماماً.
الشعب الياباني عائداً من حج المتاحف.
الشعب الياباني عائداً من حج المتاحف.
ويبدو أن عدد المتاحف في المدينة يؤكد نظريتي هذه، فحين شعرنا بالملل في طوكيو وقررنا زيارة المتاحف، وطلبت من الخريطة أن تُظهر لي المتاحف، أظهرت لي ربما مئات المتاحف. أُصبنا بالدهشة.
فك ديناصور
فك إنسان نياندرتال
جرو ذئب
أكيهابارا
بعد خروجنا من المتحف، توجهنا إلى أكيهابارا، مركز التكنولوجيا. قلنا ربما يلفت شيء انتباهنا، وقلنا أيضاً إنها عادة متبعة أن نذهب ونتجول هناك. وحين وصلنا أكيهابارا، بدأ يساورنا الشك في أننا في المكان الصحيح، لأن الذي استقبلنا لم يكن روبوتات منزلية بل فتيات أنمي. تخيلوا شارعاً بطول أحد الشوارع الرئيسية الكبرى. وعلى الأرصفة على كلا الجانبين، وبمسافة مترين بين كل واحدة والأخرى، فتيات يرتدين أزياء شخصيات الأنمي ويلوّحن بأيديهن. في البداية قلنا ربما ينتهين قريباً، لكن كلما تقدمنا في السير لم ينتهين، بل على العكس ازددن عدداً. نعبر الشارع، تتغير الإشارة الضوئية، وما إلى ذلك - الأمر نفسه، لا شيء يتغير. لم أستطع إلا أن أُصاب بسوء ظن، وفكرت أن لهؤلاء الفتيات قواداً ما لا محالة، وأنه من الأفضل أن نبتعد عن هذا المكان، لكننا في الوقت نفسه كنا فضوليين. قلنا لنتحدث مع إحداهن. اقتربنا من أكثرهن ارتداءً لملابس عادية وسألناها. قلنا لها: يا أختي، ما قصتكن؟ فتبيّن أن القصة هي التالية: هؤلاء الفتيات لسن مرافقات (escort). بل يقمن فقط بدور «الأخت الناصحة» (على غرار عمود «غوزين أبلا» الشهير في الصحافة التركية) للرجال اليابانيين. يذهبن معهم لتناول الطعام، وربما يقدّمن لهم تدليكاً، وفي تلك الأثناء يبوح الرجال لهن بهمومهم. ذلك أن هؤلاء الرجال، على ما يبدو، ليست لديهم حياة اجتماعية نشطة، ولا بيئة يمكنهم فيها لقاء من يشاركهم الهمّ نفسه. لم يكن الأمر مقنعاً في البداية، لكن حين حصلت على إجابات متسقة على أسئلتي المختلفة (ألا يحصل السياح منكن على «خدمات»؟ هل تكتفين بتناول الطعام فقط؟ وما إلى ذلك...) اقتنعت. إنه قطاع مثير للاهتمام حقاً.
في اليوم التالي واصلنا التجول في شوارع طوكيو، والتقينا ببائع دونر من أرضروم. سُررت بالطبع لأنني وجدت فرصة لطرح أسئلتي عليه. قال إنه هنا منذ 22 عاماً، وله زوجة يابانية وأربعة أطفال. يقول إن التفاهم مع اليابانية صعب. فهنّ شديدات الالتزام بالمبادئ، فإذا تأخر عن البيت 15 دقيقة تنشب مشكلة، وبعد إنجاب الطفل تُفصل الأسرّة وتُكرّس الزوجة نفسها كلياً للطفل. وحين يُسلمن يعشن ذلك بشكل كامل، إذ يصبحن شديدات الالتزام بالقواعد. يأتين إلى تركيا كل 3 أو 4 سنوات، وما إلى ذلك. وحين نفكر في الأمر، أظن أننا نفهم لماذا لا ينجب اليابانيون أطفالاً كثراً. فما داموا لا ينجبون، فلا الرجل ولا المرأة يقحم نفسه في متاعب لا حاجة له بها. ما الداعي يا أخي؟
***
على أي حال، لا داعي لإطالة مقال طال بما فيه الكفاية أصلاً وإغراقه في التفاصيل. كانت رحلة طوكيو أطول مما ينبغي بالنسبة لنا. لكنها كانت من كل الجوانب رحلة جميلة، وتعليمية، وكانت سبباً في أن نكتشف أنفسنا.
لنُغلق هنا موضوع طوكيو وننتقل إلى الختام.
ملاحظات عامة عن اليابان
خلاصة
دعوني أنقل أولاً انطباعاتنا العامة عن اليابان، واليابانيين، والمعابد، ثم نأتي بعد ذلك إلى مشاعرنا وأفكارنا حول المدن تحديداً.
مع أننا تطرقنا لهذا الأمر بشكل متفرق في هذا المقال وفي مقالات اليابان السابقة، فلن يضر تكراره هنا. من أبرز ما لفت انتباهنا في اليابان واليابانيين هو التزامهم الصارم بالقواعد ووحدتهم. إلى درجة أن الأطفال في سن الثانية يفهمون لافتات المنع جيداً، بل يستطيعون تنبيه أهلهم عليها.
أما في موضوع الوحدة، فالمسنّون الذين يتناولون طعامهم بمفردهم على طاولات صغيرة جداً، وفتيات الأنمي المصطفّات على طول الشارع في أكيهابارا، مثال جيد على ذلك... إلى أي حد يمكن أن تكون دولة ما وحيدة؟ إلى درجة أن يدفع المرء مالاً لفتاة مرتدية زياً تنكرياً لمجرد أن يتمكن من تناول الطعام وإجراء حديث. أمر مؤلم...
ومن النقاط اللافتة الأخرى أيضاً هوَس النساء بالبياض.
***
كانت الرحلة تعليمية بالنسبة لنا. كانت فرصة لاكتشاف أنفسنا. فتبيّن مثلاً أننا لسنا من أهل المدن الكبرى أو الحواضر إلى حد كبير. فالتجول في متجر أو مركز تسوق أمر لا نفضّله إلا إذا كان يتيح لنا مراقبة الحياة. كما اكتشفت بفضل هذه الرحلة أنني أحب السفر. ماذا يفعل الناس في بلد مختلف تماماً؟ من الذي يعيش هناك؟ وما هي أنواع الحياة الموجودة؟ هذه الأسئلة، على ما يبدو، تثير اهتمامي حقاً.
البلدان الأخرى مثيرة للاهتمام. شعرت في أغلب الأحيان وكأنني في فيلم من سلسلة حرب النجوم (Star Wars). أحب الأفلام والمسلسلات التي تتناول أكواناً وعوالم بديلة. ويمكن أن نذكر مسلسل Doctor Who أيضاً. والمقصود هو التالي: ففي حرب النجوم مثلاً، توجد كواكب مختلفة. على بُعد لا أدري كم سنة ضوئية، كواكب بعضها جليدي وبعضها صحراوي وبعضها مؤلف من غابات، لكن توجد أيضاً أشياء تبقى نفسها في كل تلك الكواكب. فمثلاً يوجد دائماً حانة، تجلس فيها مخلوقات خضراء بأربع عيون وثماني آذان، وروبوتات، ومسافرون، وفرسان جداي، يشربون معاً. ويكون للمدينة مركز واحد تدور فيه حركة البيع والشراء. ويوجد رجال شرطة. لا أدري، لكن هذا التماثل وسط الاختلاف يبدو لي غريباً.
كما اتضح لي بفضل هذه الرحلة أن تاريخ الأديان والأديان الأخرى تثير اهتمامي أيضاً. فمن قبل، كانت هذه المواضيع تهمني فقط من الزاوية الكلامية، أي كوسيلة لا أكثر، بمعنى أنني كنت مهتماً بها بقدر ما تزودني به من معطيات لأبحاثي القائمة، لكن حين دخلت إلى حضارة مختلفة تماماً، بدأت أتساءل عنها في ذاتها. كان ذلك أمراً جديداً بالنسبة لي.
لم أكن من قبل فضولياً بشأن تاريخ الأديان والمعتقدات الأخرى إلى حد كبير. صحيح أنني بحثت في فترة من الفترات في الباطنية (الإيزوتيريكية)، لكن ذلك أيضاً كان موجهاً بالكامل نحو هدف محدد. لم أكن قد طورت فضولاً خاصاً لفهم الثقافات الأخرى. لكن حين أتيت إلى هنا، فإن الاحتكاك بـ 120 مليون إنسان ينتمون إلى ثقافة ودين مختلفين غيّرني بوضوح.
ومن الأمور الأخرى التي فتحت عيني أن رأيت كم بلدنا صغير في الحقيقة. نحن نعيش في أرض ضُخّت فيها منذ سنين طويلة قومية فجّة، فإذا سألتَنا فنحن نقلب الدنيا رأساً على عقب، لكن في الطرف الآخر من العالم لا أحد يسمع باسمنا، بل ربما لا أحد يهتم... هؤلاء القوم بنوا نظاماً وحضارة منفصلين تماماً، ويعيشون تجربة مختلفة كلياً. وإن أردت أن أعبّر بلطف، فقد رأيت أن بلدنا يملك إمكانات هائلة، وأن الطريق أمامه للتقدم مفتوح على مصراعيه. وباختصار، تبيّن لي أنه لا يوجد في بلدنا شيء استثنائي حقاً. نحن نترك مواطننا يُلقى به للكلاب في الشارع، بينما هم يفرزون الكرتون عن النايلون في إعادة التدوير... حتى إنني فكرت أنه لولا موقعنا الجغرافي السياسي، ولو أننا - لا سمح الله - كنا بلداً غنياً بالنفط مثلاً، لربما كنا سنصبح بلداً هجيناً سخيفاً نصف ثيوقراطي نصف ديكتاتوري، أشبه بمزيج من أذربيجان وإيران. الله أعلم بمن يستحق ماذا في النهاية...
الأسواق
ألف نوع ونوع من الوجبات الجاهزة في السوق
سوق في الهواء الطلق. آلات بيع أوتوماتيكية
فواكه متناظرة تماماً في قسم الخضار والفواكه
لديهم أسواق بمستوى سلاسل BİM وŞOK وA101 عندنا. وإلى جانب أشياء مثل أجهزة الصراف الآلي وآلات صرف العملات، توجد في الأسواق أيضاً طاولات فردية صغيرة يمكنك أن تأكل عليها ما اشتريته. خدمة جميلة، سواء للتبرد أو لتناول شيء خفيف حين تجوع. في البداية أعجبتنا فكرة الطاولات والكراسي هذه، لكن بعد أن أمضينا بضعة أيام في اليابان أدركنا أن هذه في الحقيقة خدمة نابعة من ضرورة. والسبب أن اليابانيين، بقدر ما رأينا، لا يأكلون ولا يشربون في الشارع. لا أدري إن كان هذا أمراً مستهجناً، لكنني متأكد أن أحد الأسباب الأخرى هو عدم وجود سلال قمامة في الشارع. من الصعب جداً العثور على سلة قمامة في اليابان. أعرف أنني حملت قمامة في يدي لمسافة كيلومترين. وبالتالي، فإذا اختار أحدهم أن يشتري شيئاً من السوق ويأكله وهو يمشي، فمن المرجح أنه سيظل يحمل تلك القمامة في يده حتى المساء. ولهذا السبب على الأرجح تقدّم هذه الأسواق مثل هذه الخدمة. أو ربما لا توجد قمامة في الشوارع لأن الأسواق تقدّم هذه الخدمة أصلاً. من يدري؟
وبالتالي، يمكن القول إن الوضع كالتالي: الأشياء التي تعجبنا هي في الحقيقة حلول معقولة لحاجة عند هؤلاء القوم. خذوا مثلاً أماكن الجلوس في الأسواق - شيء جميل، لكننا لسنا بحاجة إلى شيء كهذا أصلاً. لدينا سلال قمامة في كل مكان، ويستطيع الناس أن يأكلوا ويشربوا في الشارع أصلاً على أي حال. والأكل أو الشرب في الشارع ليس أمراً سيئاً في حد ذاته. ولو كان هذا عندنا لحوّل الناس ذلك المتجر إلى مقهى. لا أقول هذا انتقاصاً من شعبنا، بل هذا هو نمط تواصلنا الاجتماعي. فهؤلاء القوم ليس لديهم أصدقاء، حتى في المقهى يجلسون بمفردهم وما إلى ذلك، أما نحن فلسنا أمة تأكل بمفردها. لو وضعنا تلك الطاولات في متجر «BİM» لجلس ثلاثة أو أربعة أشخاص، وأكلوا وشربوا وتحدثوا ثم غادروا، أي أن الأمر سيتجاوز غرضه المقصود. هل يمكن تجربة ذلك؟ يمكن، لكن لا داعي لذلك أصلاً. نعم، فكرة جميلة، لكنها جميلة بقدر ما تلبّي احتياجات هذا المكان بالذات. (لاحظت لاحقاً أن أسواق بولدي (Boldy) عندنا مصمّمة أيضاً على الطراز الياباني. تتشابه معها سواء في تنوع المنتجات أو في ترتيبة الطاولات والكراسي. نجحت الفكرة :))
لا تفوّت المقالات الجديدة
انضم إلى القائمة البريدية لتصلك الكتابات الجديدة فور نشرها.
المترو
التعوّد على المترو أمر صعب. استغرق منا حلّ اللغز والتعوّد أسبوعاً كاملاً، وبحلول ذلك الوقت كانت الرحلة قد انتهت تقريباً. والمقصود أن هناك ما بين 13 و14 خط مترو تديرها شركات مختلفة. وكلها متصلة ببعضها. تخيلوا شيئاً أشبه بربط أجيبادم - مرمراي - مترو صبيحة، أو يني كابي - كيرازلي - هاجي عثمان - مرمراي. وفي كل خطوط المترو تقريباً بضع محطات تبديل. ومحطات المترو مؤلفة من طابقين. لاحظنا ذلك في اليوم الخامس تقريباً، فأُصبنا بدهشة كبيرة. حين تنزل من المترو، تأكد جيداً من أي باب يجب أن تخرج، وإلا فقد تضطر للمشي كيلومتراً كاملاً بلا داعٍ. فمعظم الأبواب ليست متقاربة كما هي عندنا. ومن مشكلات وجود خطوط مترو مختلفة أنه يجب شراء تذكرة منفصلة لكل خط. هذا أرهقنا. وارتحنا قليلاً أخيراً حين اشترينا تذكرة استخدام يومي غير محدود.
يمكن القول إن أحداً لا يتحدث في المترو إطلاقاً. لا يكاد يُسمع صوت. غريب. ولا يوجد أيضاً من يأكل أو يشرب تقريباً. حالات نادرة متفرقة هنا وهناك...
كان هناك شيء أعجبني في البداية في المترو، وقلت لنفسي إنه سيكون جميلاً لو وُجد في تركيا أيضاً. مقاعد الجلوس أشبه بأريكة صغيرة، من القماش، مريحة وناعمة. لكننا أدركنا لاحقاً أن هذا أيضاً أمر ثقافي في الحقيقة. والسبب أن هؤلاء القوم أصلاً لا يأكلون ولا يشربون في مترواتهم، ولا يوجد من يُحدث فوضى، ويجلس الأطفال بأدب وهدوء، ولا يوجد غبار ولا وحل في شوارعهم. فلو أحضرنا ذلك إلى تركيا لتلوثت تلك المقاعد بسرعة. قيء، عصير فواكه، بلل غير معروف إن كان ماءً أو بولاً، آثار أحذية، وما إلى ذلك... نعم، مترواتنا ليست مترو نيويورك، لكن مترو هؤلاء القوم أيضاً نظيف كنظافة البيت. تلك الأرائك الصغيرة لا تناسبنا.
لدينا في مداخل المترو لافتات ضخمة. أما هنا فلا يوجد شيء من هذا القبيل. تنظر فتجد أن مركزاً تجارياً هو في الحقيقة مدخل مترو في الوقت نفسه. ولهذا السبب قد لا تجد المدخل الذي تبحث عنه. تخرج من المترو مباشرة إلى داخل مركز تجاري بالمصعد أو ما شابه. استغربنا ذلك جداً في البداية، لكننا أدركنا لاحقاً أن هؤلاء القوم ببساطة ليس لديهم هاجس أمني. فهم لا يُخضعونك للأشعة السينية في كل مكان.
الطعام والشراب
واجهنا بعض الصعوبة في الأكل في اليابان. فإذا كنتم أيضاً تفضلون المنتجات المذبوحة حلالاً، فمهما طلبتم حين تدخلون مطعماً، احرصوا دائماً على السؤال: «هل يوجد لحم في هذا الطبق؟». ذلك أن طبق المعكرونة البريء الذي اخترتموه بعناية فائقة من القائمة قد يصل إليكم مغطى باللحم المفروم. حدث هذا معنا فعلاً. ولحسن الحظ استبدلوه لنا مجاناً فلم تتسع الثغرة في ميزانيتنا :)
توجد في المطاعم قوائم طعام بلاستيكية نموذجية كهذه
قائمة طعام نموذجية. لم يخطر ببالي أن ألتقط صورة للطعام نفسه.
الأمن
على عكس ما لدينا، كان جميع رجال الأمن الذين رأيناهم كباراً في السن. أما عندنا فيقوم بهذا العمل رجال شباب. قد نقول إن هؤلاء القوم لا يحتاجون فعلاً إلى دفاع، ولهذا يُشغّلون هؤلاء العمّ الوقورين بعمل بلا معنى، لكن انتظروا - وهل نُقعد لدينا مصارعي فنون قتالية مختلطة (MMA) للحراسة أصلاً؟ نُجلس شاباً في العشرين من عمره نحيل الذراعين ونسميه حارس أمن. من سيهابه؟ ما أراه، أيها القراء الأعزاء، شباب مُهدَر... أرى مورداً هائلاً يُبدَّد سدى.
النظافة
ومن الغرائب الأخرى التي لاحظناها أننا لم نشمّ رائحة أحد إطلاقاً. فرغم ذلك الحر، لم تصل إلى أنوفنا لا رائحة عرق ولا رائحة عطر. أما في تركيا، فغالباً ما يصعب الاقتراب من الرجال بسبب العرق، ومن النساء بسبب العطر.
المقاعد
مقاعدهم أيضاً مثيرة للاهتمام. لم نرَ مقاعد في أنحاء المدينة عموماً. المقاعد الوحيدة التي رأيناها كانت في محطات الحافلات، وحتى تلك كانت موجهة نحو الداخل، نحو المكان المغلق، لا إلى الخارج. أما مقاعدنا فتواجه الفضاء المفتوح، الطريق، المنظر، وما إلى ذلك. هؤلاء قوم غريبون: ظهورهم إلى الطريق ووجوههم إلى الحائط. مختلف تماماً.
مقاعد تواجه الداخل لا الطريق
مقاعد تواجه الداخل لا الطريق
الذوق الجمالي، الانتماء إلى أمة
نجح اليابانيون في أن يصبحوا أمة. وأظن أننا نحن لم ننجح بعد في أن نصبح أمة. فنحن لا نملك منظومة قيم مشتركة، بل نُكنّ عداءً لقيم بعضنا البعض. أما هؤلاء القوم فيبدون في سلام مع دينهم وثقافتهم. كما أن لديهم، إلى جانب منظومة القيم المشتركة، ذوقاً جمالياً مشتركاً أظن أنه لا ينفصل عن تلك القيم. فالجمال، على الأرجح، نتيجة للقيمة. وما أقصده بالذوق الجمالي هو التالي: حين تمر بمحل عشوائي في كيوتو، ترى في ذلك المحل أثراً من الثقافة اليابانية. بل ترى الثقافة اليابانية مباشرة. أبسط مثال على ذلك أن أسقفها مصممة على طراز العمارة اليابانية الكلاسيكية. أو أن لافتاتها تذكّرنا بالأعلام اليابانية الكلاسيكية مثلاً. أشياء صغيرة لكنها ثمينة جداً. تقول الكثير عن البلد والمجتمع.
ولعلنا نستطيع أن نقيس ما يقوله ذلك عن البلد بمقارنة من هذا النوع؛ هذا ما فكرنا فيه ونحن نتجول في كيوتو. فماذا كان سيفكر زوجان يابانيان وهما يتجولان في إسطنبول؟ لنقل إنهما لم يريا أكسراي أو شيرين أوولار، ولنقل إنهما تجولا مثلاً في جيهانگير - فهل كانا سيتحدثان عن نسيج ثقافي مشترك؟ أم أن ما رأياه كان نوعاً من التفكك (anomie)؟ هل كانا، وهما ينظران إلى تلك اللافتات والمحلات، سيقولان: «هذه مدينة بناها مجتمع ممزق»؟ لا أدري.
وحين أقول إن هؤلاء القوم لم ينفصلوا عن العمارة التقليدية، لا بد من التشديد على أمر آخر. فأنا أرى في الشوارع تركيباً بين الحديث والتقليدي. ولا أتحدث هنا عن انتقائية عشوائية أُلّفت بلا تدبر. فنحن لم نرَ هنا، مثلاً، ذلك المسخ التقليدي-النيوليبرالي الذي نراه في السلطان أحمد، حيث تُصنع الگوزلمة على سفرة أرضية للسياح ثم تتحول إلى زينة واجهة عرض. ما نحتاج إليه هو أن نُعيد إحياء ذلك الوعاء الميتافيزيقي-الثقافي الذي يُنتج هذا التركيب غير الانتقائي عندنا نحن أيضاً. قد يكون الوعاء متصدعاً بعض الشيء، لكن ليس لدينا سواه من الأصل. علينا أن نتبناه ونمضي به قُدماً. ما أريده ليس أن نرمي في ذلك الوعاء كل ما وقعت عليه أيدينا فنصنع منه حساءً مختلطاً. لا أدري إن كنت قد استطعت التعبير عن نفسي بما فيه الكفاية...
لكن ذلك الوعاء ليس شيئاً تُصلحه جهود فردية. فالانتقال إلى لافتات موحدة في شارع «أونجولار» (المعروف بتوحيد لافتات محلاته التجارية) ليس هو الحل؛ نعم إنه خطوة، لكنه بالكاد أفضل من ومضة قش سريعة الخفوت، مجرد مؤشر نية لا أكثر. لنقل إنني سأفتح محلاً، ولنقل عيادة أسنان مثلاً. ولنفترض أنني التهمت كل ما في الأدبيات ولم أترك شاردة ولا واردة، وبلغت النضج والكمال، ونمت ورأيت رؤيا فاستيقظت مستنيراً، وحلّت فيّ الثقافة التركية الإسلامية وبلغت النيرفانا. ثم ذهبت وفتحت عيادة بعمارة بديعة حقاً. فماذا سنفعل بمحل الدونر المجاور، بلافتته الحمراء التي تدور في مواجهة الغبار الذي تحمله الريح، أو بمحل الأجهزة المنزلية الذي اصطف أمام بابه بمراوح هوائية؟ هكذا لا يستقيم الأمر. المطلوب هو عودة شاملة إلى الجوهر، انتقال من هناك إلى هنا. إنهاء أمور نُقِشت فيها منذ 200 عام ليس أمراً سيتحقق في هذا المقال. لنقطعها هنا إذن.
اللغة الأجنبية
عدد الأشخاص الذين يجيدون الإنجليزية في هذا البلد قليل جداً في الحقيقة. كنت أظن في البداية أنهم يترددون في التحدث بها، لكن لا، هؤلاء القوم لا يفهمونها فعلاً. لذا أظن أن أي شخص يعرف قليلاً من الإنجليزية يمكنه أن يجد عملاً هنا بسهولة تامة.
توجد وظائف مثيرة للاهتمام.
يوجد في المترو أشخاص مهمتهم إرشاد الناس وشرح الطريق لهم.
وفي الطريق المستقيم، يوجد رجال يحملون لافتات مهمتهم إخبار الحافلة بأنها يجب أن تسير بشكل مستقيم.
تعليمات، قواعد، ومزيد من التعليمات
في المترو، وفي المصعد، وفي الطريق، وفي المدينة - في كل مكان، توجد ملصقات وتعليمات سخيفة. كل مكان مليء بالتوجيهات. وكيف لا يتحول هؤلاء القوم إلى منفذين آليين للأوامر بلا وعي هو حقاً علامة استفهام. وفوق ذلك، كل شيء يتحدث. أمر مزعج بشكل لا يُصدق. المترو، السلم المتحرك، المصعد... كلام كلام كلام. يا أخي اصمت قليلاً واترك الأمر.
العُري
مع أنه لا يوجد عُري في الشوارع، إلا أن العُري موجود في الأسواق، ومراكز التسوق، وحتى في محلات الكتب المستعملة. تنعطف يميناً في أي سوق عشوائي فتجد مجلة إباحية، تمشي مستقيماً في مركز تسوق فتجد محلاً إباحياً، تدخل محل كتب مستعملة وتمد يدك إلى كتاب فتنهال من تحته صور لأشخاص عراة... مثير للاهتمام جداً. يقولون إن تربية أطفالهم جيدة، لكن يبدو أن العُري لا يُعتبر مرتبطاً كثيراً بتربية الأطفال هناك. مختلف تماماً.
لم يكن هناك فرق في الأسعار في المطار. أُصبنا بالدهشة.
الجوانب التي أحببناها في اليابان
النظافة. الهدوء. تنظيم المدن. الأسواق المفتوحة على مدار الساعة التي تُغنيك عن البحث عن محطة وقود. التصميم الداخلي للأسواق. شبكة المترو. تعاون الناس ومساعدتهم. شبكة القطارات التي تخترق البلد من طرفه إلى طرفه. الذوق الجمالي. صلاحية مياه الصنبور للشرب. عصائر الفواكه. آلات البيع الأوتوماتيكية.
طوكيو - شارع ليلاً
طوكيو - شارع نهاراً
ليفنت طوكيو
أخونا آلة البيع الأوتوماتيكية. كانت تُنقذ حياتنا. المشروبات كانت ممتازة.
ما لم يعجبنا
الأدب المفرط، فوضى نظام المترو، ندرة من يجيدون الإنجليزية، بدائية نظام تذاكر المترو، بدائية إجراءات الاشتراك، صمت المترو الشديد، مشكلة المطبخ الحلال، لوحات التوجيهات في كل مكان، غياب سلال القمامة في المراحيض.
بعض الصور
باريس طوكيو
مضيق طوكيو الذي يُصيب بالاستجماتيزم
ليفنت طوكيو
جهاز إيقاف السيارات في طوكيو
كاديكوي طوكيو
زي على الطراز الياباني
آلة قمار بطابع معبد
مجاهد طوكيو. كان يقوم باحتجاج في ميدان شيبويا. لم يكن مسلماً. وكان يرى أنه لا حاجة إلى أن يكون المرء مسلماً ليقف في وجه هذه الإبادة الجماعية. كان عضواً في مجموعة ما. والشخص الفاضل على اليسار جدير بالذكر أيضاً.
***
وصلنا إلى نهاية رحلة. بخيرها وشرّها، كان هذا مقالاً لم أتمكن من كتابته (أو طباعته) إلا بعد عام كامل. لقد كان سرداً لتجربة، لا قائمة بأماكن يجب زيارتها، أو أطعمة يجب تذوقها، أو منحدرات يجب القفز منها، أو محيطات يجب الغوص فيها وما إلى ذلك. ربما يتغير شكل المقالات القادمة. هذا كل ما لدي الآن. والتالي في الطابور مقالات عن مصر والجبل الأسود وألبانيا. من يدري في أي كون، وفي أي وقت، سيُقدَّر لي أن أكتبها (أطبعها)...
29.08.2025
لا تفوّت المقالات الجديدة
انضم إلى القائمة البريدية لتصلك الكتابات الجديدة فور نشرها.
رحلة اليابان
- محاولة تشريح ثقافي عن اليابان أو يوميات رحلة 1: المقدمة وأوساكا
- محاولة تشريح ثقافي لليابان، أو يوميات سفر 2: كيوتو
- محاولة تشريح ثقافي لليابان، أو يوميات سفر 3: طوكيو والختام (أنت هنا)
هذه آخر مقالة في السلسلة.
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.